![]()
من أجل إقامة (المركز السوري للفكر الوطني الإيماني)
سليم مطر ـ جنيف
إن الحرص على نجاح وديمومة النظام السوري الجديد بزعامة (الرئيس الشرع)، هو الذي يدفع إلى هذا النقد والمقترح. يمكن تشبيه الدولة السورية الجديدة بمن يمضي في طريق خطر ومجهول، يملك الإيمان والقوة والرجال والسلاح، لكنه يرفض أن يحمل خارطة ومعطيات وتصورات عن الخطوات القادمة. فهو يتحرك، ويقاتل، ويدير، وينتقل من موقع إلى آخر، لكنه لا يملك (رؤية فكرية) تحدد إلى أين يمضي، وما الدولة التي يريد بناءها، وأي إنسان سوري يريد أن يصنعه.
الدول لا تقوم فقط على (النوايا الصادقة والأهداف العامة)، ولا حتى على (دستور وبرنامج تطبيقي)، بل العكس هو السائد: (الأهداف والدستور والبرنامج) تُصاغ بالاعتماد على (عقيدة، أو أيديولوجية، أو رؤية كاملة) انطلقت على أساسها وبغاية تحقيقها. المقصود بهذه (الرؤية الفكرية) أن تنتج الروح واللغة المشتركة لقيادات الدولة والنخب والجيش والتعليم والثقافة العامة. لنعاين غالبية الدول التي ظهرت في العصر الحديث، منذ الثورة الفرنسية والروسية والصينية حتى باقي تجارب العالم ومنها العربية، كلها بصورة أو أخرى اعتمدت على (عقيدة مشروحة في كتب مع مفكرين ومثقفين مؤسسين). حتى لو كانت العقيدة مشوهة وحالمة، فإنها على الأقل تلعب دوراً مهماً في جمع الناس حولها ووضع النخب والزعامات في مسارها.
والمشكلة أن هذا الإهمال يبدو شديداً إذا عرفنا أن هذا النظام قد شكّل دولته الأولية منذ (تجربة إدلب: 2015)، فكان يفترض أن تكون مختبراً لإنتاج هذا الفكر: إعداد شباب متعلمين ومثقفين، قادرين على التحليل والكتابة والنقد وصياغة المفاهيم، لا الاكتفاء بالإدارة والخدمات والضبط الأمني. لكن هذا لم يحدث. ظلت الأولوية للعمل اليومي، وبقي بناء العقل السياسي والثقافي مؤجلاً، كأنه ترف لا ضرورة.
والأخطر أن هذا الإهمال مستمر حتى الآن. رغم امتلاك النظام أجهزة، وزارات، إعلاماً، علاقات خارجية، وشرعية سياسية جديدة، وآلافاً من المتعلمين والمثقفين المتعاطفين، لكنهم في حيرة لأنهم يفتقدون إلى المركز الفكري الذي يجمعهم ويساعدهم على التعبير الثقافي والعقائدي عن طموحاتهم في دولة بديلة ومجتمع سوري جديد. هذا خلل وخطر كبير ينخر في النظام، خصوصاً أنه يواجه خصوماً يمتلكون عقائدهم منذ زمن طويل: البعثيون، والقوميون السوريون، والإخوان المسلمون، والكرديون، وحتى الجماعات الطائفية خلقت سردياتها التاريخية العنصرية.
من الخطأ اعتبار عقد حوارات عامة مع المثقفين السوريين الوسيلة الوحيدة لإنتاج المنظومة الفكرية. فمن المعلوم أن أكثر هؤلاء ينتمون إلى تيارات فكرية (حداثية وليبرالية ويسارية وإلحادية)، بعيدة عن فكر النظام الجديد، بل نقيضة له عقائدياً. والجميع يدركون أن الحوار معهم غايته المجاملة وكسب السمعة.
كذلك لا تولد (العقيدة الإيمانية) للدولة من الاعتماد فقط على خطابات الزعماء والتعليقات والمقالات المتفرقة، مهما كانت نافعة في المعركة الإعلامية. عقيدة الدولة تحتاج إلى مؤسسات دراسية ثقافية، معاهد، تمويل، مفكرين، محاضرين، مجلات، كتب، برامج إعداد، ونقاشات طويلة تنتج مفاهيم ثابتة لا ردود فعل عابرة.
المطلوب العاجل: إقامة (المركز السوري للفكر الوطني الإيماني)
ـ وهو (مركز ثقافي حواري وتدريسي) يصدر مجلة دراسية فكرية ناطقة باسم هذا المسار الايماني. تنشر مقالات ودراسات ونقاشات. كما ينظم المركز محاضرات، حلقات بحث، دورات فكرية، لقاءات مع الطلبة، وورشات لصياغة برنامج تربوي وثقافي.
ـ من الضروري الاستعانة بـ(مثقفين إيمانيين) من العرب: المصريين والمغاربة واللبنانيين والسودانيين وغيرهم، ممن يرى النظام أنهم قريبون من رؤيته. يأتون لإلقاء محاضرات، وكتابة أوراق، وتدريب كوادر، وفتح نقاشات منظمة مع الشباب الجامعي والشرعيين والإداريين. لكن المطلوب ألا يتحول ذلك إلى تكرار خطابي، بل إلى حركة فكرية حقيقية، فيها قراءة، نقد، مقارنة، إنتاج مصطلحات، وصياغة رؤية.
ـ ويشرف هذا المركز على عملية إجراء حوارات حقيقية واسعة داخل (تيار الشرع) نفسه: المتعلمين والمثقفين والجامعيين والكتّاب والشرعيين والإداريين القريبين من هذا التيار. المطلوب عملية فرز وتنقية واختيار للنخبة الأكثر قدرة على التفكير والكتابة والإبداع والنقد وصياغة مشروع وطني.
