من يعاين خارطة هذه المنطقة، التي منذ عام 1925 تُعتبَر محافظة إيرانية باسم (خوزستان: احوازـ ستان)، يلاحظ بجلاء أنها منفصلة جغرافياً تماماً عن (إيران) وهضبتها بـ(سلسلة جبال زاغروس)، التي تفصل أيضاً إيران عن العراق. تقع (الأحواز) على شاطئ الخليج العربي، وترتفع عن سطح البحر بضعة أمتار مثل باقي العراق، بينما مدن إيران مثل (شيراز) القريبة، وكذلك طهران، تقع على ارتفاع أكثر من 1400 م. أي إن الأحواز امتداد طبيعي لسهل جنوب النهرين، العراق، وتشترك في الأهوار نفسها مع محافظة ميسان العراقية، ويفصلها عن البصرة (شط العرب)، الذي هو نهر عراقي يتشكل من التقاء نهري دجلة والفرات. ولكن إيران استولت على ضفته الشرقية مع الأحواز. (عاين الخارطة المرفقة). [1] وإن مساحة الأحواز حوالي 64,000 كم²، أي ستة أضعاف مساحة لبنان، وتقريباً ثلاثة أضعاف مساحة كل فلسطين التاريخية.
مراحل تاريخ (عيلام: الأحواز) المتداخلة مع تاريخ العراق
بسبب هذا التداخل والتشابه الجغرافي مع باقي (وادي النهرين)، فإن (الأحواز)، التي كانت تحمل اسم (عيلام: العالية: باللغة الأكدية العراقية)، حصل أيضاً تداخل كامل في جميع المجالات: السكانية والثقافية والسياسية. وحتى الآن سُكّان الأحواز هم من نفس العشائر العربية في جنوب العراق. أما (التاريخ) فهنالك شبه تطابق في المراحل كالتالي:
المرحلة الأولى، التاريخ القديم: (عيلام) جزء من حضارة بلاد النهرين، نحو 3000 إلى 539 ق.م
هنالك تصور خاطئ شائع بين العراقيين والعرب، يُصوِّر (عيلام) بأنها تمثل (إيران) وأنها في صراع وعداء مستمر مع بلاد النهرين. ولكن الحقيقة تختلف كثيراً. إن أفضل تشبيه هو بالعلاقة بين (بابل: جنوب العراق) و(آشور: شمال العراق)، وهي علاقة منافسة سياسية عسكرية ولكن في حضارة ولغة وديانة واحدة. مثل الكثير من البلدان، ومنها مثلاً (مصر القديمة بين الجنوب والشمال).
ـ منذ الألف الرابع قبل الميلاد كانت (مدينة سوسة) مركزاً حضارياً عيلامياً رئيسياً متصلاً مباشرة بمدن جنوب العراق (سومر ثم أكد ثم بابل). [2]
ـ نحو 3000 ق.م استُعملت الكتابة (العيلامية الأولى)، وهي ما تزال غير مفككة لأنها كانت مخصصة فقط لأمور إدارية وحسابية أقرب إلى الرموز والترقيمات المتأثرة بالأنظمة السومرية المسمارية، ولم تتحول إلى كتابة أدبية واضحة. [2]
ـ ابتداءً من الألف الثاني ق.م ظهرت (اللغة العيلامية الحديثة) المتداخلة مع السومرية.
ـ ثم بالتدريج تداخلت (عيلام) مع (سومر وأكد) سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وتعاقبت السيطرة بين الطرفين، وسادت الأكدية والسومرية في عيلام. ومن علاماتها (زقورة جغا زنبيل) المماثلة لـ(زقورات: معابد) العراق. [2]
ـ نحو 1500 و1100 ق.م دخلت منطقة (إنشان)، الواقعة جغرافياً في منطقة فارس الحالية، ضمن المجال السياسي (العيلامي)، حيث ظهرت تسمية «ملك إنشان وسوسة». ويستخدمها الإيرانيون كحجة في الادعاء بتاريخهما المشترك. رغم أنهما في الحقيقة منفصلتان سكانياً ولغوياً وثقافياً. [2]
المرحلة الثانية: الاحتلالات اليونانية والإيرانية، من 539 ق.م إلى الفتح العربي الاسلامي
وهي نفس المرحلة التي عاشها العراق، حيث بقي الطرفان خاضعين لأكثر من ألف عام، لنفس الاحتلالات الإيرانية واليونانية حتى الفتح العربي الإسلامي.
ـ منذ 539 ق.م قامت الدولة الأخمينية الفارسية باحتلال عيلام وبابل. وبما أن إيران حتى ذلك الوقت كانت (أُمّية) بلا كتابة ولا تدوين، فإنها تَبَنّت (العيلامية) كلغة إدارية، بجانب (الآرامية العراقية) التي أصبحت لغة الثقافة في أنحاء الإمبراطورية، وبقيت الأخمينية لغة محدودة بين النخبة الحاكمة. كذلك تم تَبَنّي (الكتابة المسمارية ثم الآرامية) كأول تدوين كتابي في تاريخ إيران. [3]
ـ تعاقبت على احتلال العراق وعيلام، بعد الأخمينيين، الدول اليونانية ثم الإيرانية الفرثية، وبعدها الساسانية، حتى الفتح العربي الإسلامي.
ـ من نحو 141 ق.م إلى 222م قامت (مملكة ميسان العربية)، أو (خاراسيني)، على ضفاف الخليج، والتي جمعت بين (الأحواز) وجنوب العراق. [4]
ـ وبعد القرن الأول الميلادي انتشرت المسيحية واللغة السريانية في الأحواز مثل باقي العراق، بالإضافة إلى الشام، وخلالها ظهر اسم (الأحواز) بالسريانية (بيت حوزاي: منطقة الأحواض)، وكنيستها تابعة لـ(كنيسة المشرق السريانية النسطورية)، ومركزها في المدائن بالعراق. وظهر (بولس الأحوازي) الذي أصبح بطريرك كنيسة المشرق سنة 539م. [5]
ـ منذ القرن الثالث الميلادي كانت الأحواز، مثل العراق، تحت سيطرة الدولة الفارسية الساسانية. وقد أُطلق عليها تسمية (خوزستان: حوز: الأحواز)، مقابل (آشورستان: العراق) و(بارس: فارس). [2]
ـ نحو 240 إلى 270م، أُنشئت مدينة (جنديسابور: معسكر شابور) في الأحواز كمركز تجمع لـ(أسرى سوريين ورومان) من شمال سوريا، ولهذا كان اسمها بالسرياني (بيت عابات: مكان العيبة الهزيمة)، ثم تحولت إلى مركز (مسيحي سرياني) وطبي وعلمي كبير، والوحيد في الإمبراطورية الإيرانية. وكانت (السريانية: أي الآرامية المسيحية) لغة علمية رئيسية فيها إلى جانب التراث اليوناني، وبعد قرون انتقلت علوم (جنديسابور) الأحوازية إلى بغداد في العصر العباسي. [6]
ـ في القرن الثالث الميلادي ظهر (النبي ماني البابلي) في العراق، إذ وُلد في (المدائن: قرب بغداد)، وهو مؤسس (الديانة المانوية الزهدية)، وقد تم إعدامه من قبل (الملك بهرام الفارسي) في الأحواز، نحو 274. [7]
المرحلة الثالثة: العصر العربي الإسلامي، من القرن السابع إلى القرن السادس عشر
ـ بين نحو 636 و642م فُتحت مدن الأحواز، ومنها (سوق الأهواز وتستر والسوس وجنديسابور)، ثم تقدمت الفتوحات شرقاً إلى فارس. ويفصل البلاذري في «فتوح البلدان» بين «فتح كور الأهواز» و«فتح كور فارس وكرمان». [8]
ـ في العصرين الأموي والعباسي استقر اسم «الأهواز» باللفظ الآرامي، في المصادر العربية. ويصف ياقوت الحموي الأهواز بأنها «كورة بين البصرة وفارس»، بينما يخصص الإصطخري في «المسالك والممالك» قسماً مستقلاً بعنوان «كورة الأهواز»، ويذكر أن بلاد الأهواز سبع كور، ثم يصف الطريق «من سوق الأهواز إلى فارس»، بما يميز الإقليمين بوضوح. [9][10]
ـ من أعلام الحضارة العربية من أصل أحوازي: (الشاعر أبو نواس)، نحو 756م، ثم أصبح من أبرز شعراء العصر العباسي. [11]
ـ كذلك قدمت شخصيات معروفة، مثل (حمدان قرمط) و(شيخ المعتزلة أبو علي الجبائي) و(سهل التستري)، أحد كبار المتصوفة والمفسرين، كما برز (علي الأهوازي) في الفقه والحديث، وعدد من العلماء المنسوبين إلى الأهواز في الطب والرياضيات والقراءات. [11]
ـ كذلك برزت (أسرة بختيشوع) الطبية المسيحية السريانية، وانتقلت من جنديسابور الأحوازية إلى بغداد، وخدم أفرادها الخلفاء العباسيين وأسهموا في نقل الطب السرياني واليوناني إلى الحضارة العربية الإسلامية. [6]
ـ منذ نحو 1436 إلى 1441م قامت الدولة المشعشعية في الحويزة، وأصبحت قوة عربية محلية امتد نفوذها في الأحواز وأجزاء من جنوب العراق. [12]
المرحلة الرابعة: الصراع العثماني الإيراني والإمارات العربية، من القرن السادس عشر إلى 1925
ـ منذ القرن السادس عشر تنافست الدولة العثمانية والدولة الصفوية ثم القاجارية على الأحواز، مع استمرار سلطات عربية محلية متفاوتة الاستقلال.
ـ ثَبّتت (معاهدة زهاب سنة 1639) جانباً من الحدود العثمانية الصفوية، لكنها لم تنه النزاعات على الأحواز وشط العرب والمناطق الحدودية.
ـ برز (بنو كعب) خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قوة عربية رئيسية في الأحواز وشط العرب. [13]
ـ في معاهدة أرضروم الثانية سنة 1847 اضطرت الدولة العثمانية، من أجل الحفاظ على منطقة السليمانية العراقية، إلى القبول بالسيادة القاجارية على الأحواز، مع استمرار الحكم الذاتي العربي. [14]
ـ في سنة 1897 تولى الشيخ (خزعل بن جابر الكعبي) حكم المحمرة، وتمتع بسلطة محلية واسعة مع تبعية اسمية للدولة القاجارية. [13]
ـ بين 1899 و1914 قدمت بريطانيا للشيخ خزعل ضمانات سياسية متكررة، وتعزز تحالفها معه بعد اكتشاف النفط سنة 1908. عند احتلال القوات البريطانية البصرة سنة 1914، اعتمدت على نفوذه في حماية النفط والجبهة المحاذية للعراق. [13]
ـ بين 1914 و1921 نشط خزعل في السياسة العراقية، وكانت له صلات وثيقة بالبصرة ووجهائها، وبما أنه كان يَعتبر نفسه عراقياً فقد رشح نفسه لعرش العراق قبل اختيار فيصل سنة 1921. [15]
ـ في سنة 1921 قام (رضا خان) بانقلاب عسكري بدعم بريطاني ضد روسيا السوفيتية، وأصبح (شاه إيران). ثم بدأ مشروعه بإنهاء السلطات الإقليمية المستقلة وإقامة دولة مركزية. [16] في أواخر 1924 قررت بريطانيا خيانة (الشيخ خزعل) لأنها فضلت تبعية الأحواز لـ(إيران) بدلاً من بقائها مستقلة، وتم اعتقال (خزعل) ونقله إلى طهران. هكذا انتهت إمارة المحمرة ودخلت الأحواز تحت الإدارة الإيرانية المركزية المباشرة. توفي الشيخ خزعل في طهران سنة 1936، ثم نُقل جثمانه إلى النجف. [13]
ـ ومنذ ذلك التاريخ يكافح الشعب الأحوازي من أجل استقلاله والتصدي لعمليات (التفريس) والحفاظ على طابعه العربي الأحوازي. وهنالك تنظيمات أحوازية عديدة تمارس الكفاح الشعبي. (ابحث عن: قضية الأحواز المحتلة).
المصادر
1 ـ Encyclopædia Universalis, “Khouzistan”، للمساحة والطبيعة السهلية وعلاقة السهل بالأهوار وسهل جنوب العراق. وتؤكد الدراسات الجيومورفولوجية الحديثة أن السهل الجنوبي للأحواز يمثل الامتداد الجنوبي الشرقي للحوض الرسوبي لبلاد النهرين.
2 ـ D. T. Potts, The Archaeology of Elam: Formation and Transformation of an Ancient Iranian State, Cambridge University Press, 2nd ed., 2015. المرجع الأساسي لعيلام وسوسة وإنشان وجغا زنبيل وعلاقات عيلام ببلاد النهرين.
3 ـ Persepolis Fortification Archive, Institute for the Study of Ancient Cultures, University of Chicago. الأرشيف يضم نحو 15,000 إلى 18,000 وثيقة إدارية أصلية بالعيلامية، ومئات الوثائق بالآرامية، ووثيقة واحدة تقريباً بالفارسية القديمة.
4 ـ Daniel T. Potts, “Mesene”, Oxford Classical Dictionary, Oxford University Press. عن مملكة ميسان ـ خاراسيني في جنوب العراق ورأس الخليج، من القرن الثاني ق.م حتى ضمها الساسانيون سنة 222م.
5 ـ Syriaca.org, The Syriac Gazetteer, “Beth Huzaye” و“Beth Lapaṭ”. مصدر سرياني أكاديمي مباشر لاسم بيث هوزايي، ولمطرانية الأحواز، ولجنديسابور بوصفها مركزها الكنسي.
6 ـ Encyclopaedia Iranica, “GONDĒŠĀPUR: History and Medical School”. للمعلومات المتعلقة بتأسيس جنديسابور، والمسيحيين السريان، والطب والعلوم وانتقال تقاليدها إلى بغداد.
7 ـ سليم مطر، «المانوية»، عن ماني ونشأة المانوية وصلتها بالعراق وجنديسابور. وللتوسع يمكن البحث عن: Mani and Manichaeism.
8 ـ البلاذري، «فتوح البلدان»، باب «فتح كور الأهواز»، ثم باب «فتح كور فارس وكرمان». وهو العربي المباشر الأهم في فصل فتح الأهواز عن فتح فارس.
9 ـ ياقوت الحموي، «معجم البلدان»، مادة «الأهواز»، وبخاصة قوله إن الأهواز «كورة بين البصرة وفارس».
10 ـ الإصطخري، «المسالك والممالك»، قسم «كورة الأهواز»، وفيه وصف كور الأهواز والطريق من سوق الأهواز إلى فارس.
11 ـ شبكة الأحواز، «الأحواز بين السؤال والجواب»، القسم الخاص بأعلام الأحواز، مع كتب التراجم العربية لأبي نواس وسهل التستري وعلي بن مهزيار والأهوازيين. الأحوازي يورد عدداً كبيراً من الشخصيات المنسوبة إلى مدن الإقليم.
12 ـ عبد المجيد إسماعيل، «دولة الأحواز خلال حكم المشعشعين وإمارة كعب»، منشور في شبكة الأحواز Ahwaz.tv، مع إضافات نصار الشيخ خزعل. يحدد قيام الدولة المشعشعية في الحويزة سنة 1436م وامتداد نفوذها إلى البصرة وواسط في مراحل من تاريخها.
13 ـ British Library, India Office Records, “BRITISH RELATIONS WITH KHAZAL, SHEIKH OF MOHAMMERAH”, IOR/L/PS/18/C221. وهو مذكرة رسمية بريطانية مباشرة تتضمن نصوص الضمانات البريطانية للشيخ خزعل، وعلاقته بالحكومة البريطانية وطهران، ثم اعتقاله ونقله إلى طهران ووفاته هناك. النسخة الرقمية منشورة في Qatar Digital Library.
14 ـ Second Treaty of Erzurum, 31 May 1847، المادة الثانية، بشأن السليمانية والمحمرة وعبادان والضفة الشرقية لشط العرب. ويمكن الرجوع أيضاً إلى وثيقة الأمم المتحدة الخاصة بتاريخ الحدود العراقية الإيرانية، S/9323.
15 ـ نوال كشيش، «موقف الشيخ خزعل من الأحداث السياسية في العراق 1914 ـ 1921»، مجلة كلية التربية الأساسية، الجامعة المستنصرية، وفيها علاقاته السياسية العراقية ومسألة ترشيحه لعرش العراق.
16 ـ Encyclopaedia Iranica, “COUP D’ÉTAT OF 1299/1921”. عن انقلاب رضا خان سنة 1921 والدور الحاسم للجنرال البريطاني Edmund Ironside وضباط ومسؤولين بريطانيين آخرين في تهيئة الانقلاب ودعمه.